السيد محمد تقي المدرسي
158
البيان الاسلامي (أحاديث في العقيدة)
وعلى ذلك فقد قال أحد الكتّاب الفرنسيين : إنّ الفلسفة الإغريقية قد أماتت الله ، وأنّ الفلسفة الأوروبية الحديثة قد دفنته ! ! فالفلسفة الإغريقية قالت بعجز الله عن التكلم أو الفهم أو الإرادة . والغربيون المتأخّرون رأوا أن لا حاجة لهم بربّ عاجز ميّت ، فرفضوا الإيمان به فدفنوه فلسفياً وعملياً . أمّا الدين الإسلامي الذي هو في حقيقته استمرار مباشر لما أنزل الله سبحانه وتعالى من رسالات مقدسة على الأنبياء عليهم السلام ، يؤكد بأنّ الخالق قادر على كل شيء وأنّه عليم بكلّ شيء ، حتى قال الله تعالى : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) ( ق ، 16 ) . أي إنّ الخالق ليس ذا علم بحقيقة الإنسان فحسب ، بل إنّه أعلم به من نفسه . فالخطرات التي تخطر ببال الانسان كلّها تخضع للمجهر الإلهي ، وأنّ يده مبسوطة ، يفعل ما يشاء ويرزق من يشاء بغير حساب . . وهناك من الأمثلة على عمق الارتباط بين الخالق والمخلوقات ما لا يعدّها العادّون أو يصفها الواصفون ؛ هذا الارتباط النابع أساساً من طبيعة خلق الله للأشياء بما فيه الإنسان ، حيث خلقت ضمن طبيعة فقيرة محتاجة إلى الرفد والصلة . وهنا أوّد التذكير بقصّة النبي زكريا عليه السلام التي ضربها الله لنا مثلًا في هذا الإطار ، حيث استسلم هذا النبي العظيم إلى قدره بعدم تنعّمه بنعمة الذرية ، ولكنّه لمّا رأى ما كان ينزل على مريم عليها السلام في محرابها من رزق الله في غير موسمه أو طعام لا تتمتع به منطقة فلسطين ، هنالك تجلى الإيمان في قلب زكريا عليه السلام بأنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب ، وأن من الممكن الطلب إلى الله جلّت قدرته بتغيير القدر والقضاء